عبد الملك الجويني
222
نهاية المطلب في دراية المذهب
القصاص إذا [ جازت ] ( 1 ) عن محل الجناية ضرورةً ، والقطع من الكوع أهون من المرفق ، فلا يمتنع القطع الذي يتضمن ترك بعض الحق من غير تعديدٍ في القطع يتضمن المثلة ، كما ذكرناه في طلب لقط الأصابع . ثم إذا قطع الكوع إما مبادراً ، وإما بأن سوغنا له ذلك ، فهل يجوز له الرجوع إلى حكومة الساعد ، والقدرِ المقطوع من العضد ؟ هذا ينبني على الخلاف في جواز القطع من الكوع ، فإن منعنا ذلك ، فليس له حكومة الساعد ، وإن جوزنا القطع من الكوع ، ففي سقوط حكومة الساعد وجهان : أحدهما - أنه يسقط ؛ من جهة أنه أعرض عن حقه ، مع التمكن منه . والثاني - له حكومة الساعد ، وترْكُه لحقه في الساعد بمثابة عفوه عن القصاص ، ولو عفا عن القصاص ، لثبت له الرجوع إلى المال . فإن قيل : هلا قلتم : له الرجوع إلى حكومة الساعد ، وإن فرعنا على منعه من القطع من الكوع ، لأنه تاركٌ حقَّه في قطع المرفق ، ومستحقُّ القصاص يرجع إلى المال ؟ فهذا [ عفوٌ ] ( 2 ) على كل حال ؟ قلنا : لا ننكر كونَ هذا قياساً ، ولكن أجرى الأصحاب إسقاط الحكومة تغليظاً على المقتص إن فعل ما ليس له أن يفعله ، وأما الحكومة في مقابلة بعض [ العضد ] ( 3 ) ، فإنها ثابتة في كل حساب ؛ فإن التعذر في الاقتصاص محقق شرعاً ، لا ينسب المقتصَّ إلى تركٍ . واستشهد القفال لسقوط الحكومة في الساعد في صورة الوجهين بمسألة من القسْم تقْرُب فقهاً ؛ وإن كانت تبعد تصويراً : [ فللثَّيب إذا أرادت ثلاثةُ العقد ] ( 4 ) ، لا تحسب عليها من أدوار القَسْم ، فلو أرادت أن يقيم الزوج عندها سبعاً - وهي مدة الأبكار - أجابها الزوج ، وقضى السبعَ للباقيات ، وبطل اختصاصها بالثلاث ؛ لأنها تعدّت محلّ حقها ، وحدَّ استحقاقها .
--> ( 1 ) في الأصل : " حارت " . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 3 ) في الأصل : " العبد " . ( 4 ) في الأصل : " فليثبت إذا رتب ثلاثة العقد . . . إلخ وواضح ما فيها من تصحيف " . وتصح ( ثلاثة ) على تقدير إرادة الأيام .